رواية
العربى عبد الوهاب
إهداء :
إلى القادم بلا اسم
دق المسامير
الطاهر مرزوق
مابين طحلة ومسطرد تتخبط الآن قدمى .
ما بين الزقازيق ، وظلام الليل فى الشوارع الضيقة واصلا إلى الحجرة التى أسكننى إياها العم شوقى كنت أتخبط .
تعبت ـ يا طاهر ـ وأخيرا تحت صحن من الترمس تنادى .
يستوقفك شلن .. بريزة .. يستزيدون .. تزيدهم .. حبات .. ملاليم .
صارت القاهرة أفعى تلتهمنى كل يوم . أموت بين شوارعها ، وعماراتها العالية .. أتعثر فى الحفر والبالوعات والشوارع المتربة . على رأسى صحن الترمس وقراطيس ورقية . وأمامى شمس تصفر وتذبل فى طريقها للغروب .
راحت أيام عربات أنابيب الغاز ، مكسب عشرون جنيها فى اليوم .
كنت أتكرع كالتيس بعد أكل الكفتة والكباب .. أيام ليست بعيدة .. باعدت الوظيفة بينى وبين التكرع اللذيذ . قبّلنى حمادة فى المدرسة . وقبلت الصغيرة شيماء . أيام المرضى أوشكت على الانتهاء . أخرج من حبسى . كيف حالــك ـ الآن ـ فى الحبس يا بهيه ؟ تختبئون فى شقوق السعودية حتى يحضر الحجاج من كل بلد ، كالنمل يزحفون . فينطلق سراحهم . يختلط الحجيج .. يتساوى القادم على ظهر سفينة بالمسافر كالبرق .
الساعة العاشرة صباحا ، والشمس مازالت تتبختر بين سحب رمادية ، ولا عربة تلين فتأخذنى .
… لو تشعرين بألمى يا نجلاء رغم نومك بجوارى على سرير واحد . تقلقين بحضورك نومى ، وسكوتى ووهنى .. النقر القديم يعاود الدق … مسامير تخبط فى رأسى ، تكسر العظام .
يركبنى النوم . وعدم الرغبة فى رؤية الناس ، والطعام ، والحياة ، ماذا أفعل إذا كاد الشرود يقتلنى تحت عجلات عربة نقل منذ أسبوع ؟!
زحف العجلات أفاقنى . طار الطبق من فوقى . تبعثرت . ملعون الترمس والطواف بين العزب ومسطرد والمسلة . أحياء الغلابة متهالكة .
من يشترى يا ناس ؟
ترمس .. تسالى
تسالى .. يا ترمس
كيف اختصرت قوتى تحت صحن الترمس ؟ بين حارات وشوارع وبلكونات تشبه عجوزا . تقوس حتى لا مس الأرض . من المسؤول ؟؟
حمادة .. شيماء .. أم حمادة .. أبى .. عرفه .. زنوبه .
أم العمل صباحا فى جامعة الأزهر . أحمل شكائر الأسمنت ، الطوب ، الرمل ، نبنى كشكا يصلح لخروف سيقتله الانتظار عند البوابة الفرعية بجامعة الأزهر حيث البرد ومراقبة اللاشئ .
مأمورية .
الأسبوع قبل الماضى أخذت ثلاث مأموريات على حساب كشك الأمن .
عربة نقل نصر بصندوق خشب .
" استنى يا أسطى "
بكل سرعة استندت على عجلة العربة . تعلقت بالأيدى الممدودة .
انطلق السائق . فور ارتفاع قدمه اختل توازنى فارتميت عليهم .
… ترانى وضعت القفل فى العجلة . الولد حمادة يتحنجل عليها . ربما يسحبها للعيال فى الشارع تركبها .. أو تكسرها .
ملعون النسيان .
ما كان يجب أن أسافر .
كادت الحوائط أن تكتم أنفاسى .
أذهب لدار أختى .. لا .. الزقازيق مازالت بعيدة . فلأنزل المشروع . أذهب إلى طحلة أولا . أود أن أنام وحدى .
ارتجت العربة ، وتلاعبت بالطريق .. واضح أن السائق يتمايل مع غنوة سلامات .
بهيه ، إبراهيم ، عزيزة ، عرفه ، محمد ، مصطفى ، وأنا
غير من ماتوا من أمى ومن زنوبه .
كثيرون يا أبى وبرد الشتاء لا يرحم .
الصديرى خفيف .
وعربة مكشوفة تشكو لرب السماء ضعفها وانقيادها الفج لسائق غير مهتم .
ليست لى علاقة بك يا بلبيس . لا أحبك . ولا أعرف السر . ربما الرشاح .. رائحته النتنة .. المياه الطافحة تذكرنى بالشوارع المؤدية إلى أوضتى فى عزبة الحريرى ، حيث بيت العم شوقى الحاتى . ظلمة ونباح كلاب وخبط فوق رأسى .
لو جابت ولد .
امرأة إبراهيم أخى ، يكون فأرا صغيرا كأبيه . يستحق لطمتى له فى المرة السابقة . يسب الدين ؟!!!
تقول بهيه " الخير راح من وشها " أنا شفت أواخر أيام الخير هذه .
كان الذرة يملأ سطح الدار . زنوبه تبيع للجيران دون علم أبى . استحرمت واحدة ـ كانت تحب أمى ـ سرقة شقاء الرجال والعيال .
زنوبه تبيع الذرة والأرز لتأكل بلح الشام والحلوى .
كان أبى على فراش الموت . قام ليضربها ، فلكزته "إنت لسه فيك صحة يا راجل" .
عشرة أعوام على رحيلك يا أبى .
أنت مسؤول عن عشرين عاما من عمرى .
ولن أسامحك .
الساعة تقترب من الثانية عشرة . قدمى تخبط إسفلت الطريق من المشروع . رشاح الصرف واصلا للبلدة .
أرمى بعينى لاخضرار الحقول ، ثم تخرج من الصدر آهة .. هنا العشر قراريط التى اشتراها عرفه ـ بفلوس زوجته ـ مؤخرا من عيال زنوبه .. يتمايل زرعها . يزرعها الآن محمد . أذكر عرفه مشمرا جلبابه فى حر الظهيرة . يضرب فأسه فى خطوطها. ويزعق فىّ أن أضرب الجاموسة المتوقفة فى مدار الساقية بالفرقلّة . ويتساقط الصمغ المتجمد فى شقوق شجرة السنط تحت ضربات سن قلمى . أتسلق وقت غفلة أبى أو عرفه شجرة السنط لأقطع منها فرعا كى أضرب الجاموسة .. وأجمع الصمغ السائل من عينى الشجرة فى حقنة بنسلين فارغة محكما عليها الغطاء الأحمر .
ربما تكون الشجرة باقية لكن الأرض !!
من مزق الأرض وباعها ؟؟
أكان عليك يا عرفه أن تجرب الترمس مثلى . تحاول الوقوف على كوبرى مسطرد ـ بعربة خشبية ـ ولم تجد موطأ لقدم .
العربات الآتية من عبود متجهة للمسلة أو بهتيم القادمة من شبرا ذاهبة إلى المطرية ، السرفيس ، الملاكى ، النقل ، السريحة ، عربات الفول المدمس، الكشرى، اللب، كلهم احتلوا المكان يا عرفه.. لم يتبق لنا إلا أقداما تتخبط فى شوارع وأزقة يعلوها الغبار وأكوام القمامة.
يقبلنى من يحتكر توريد الترمس ـ سريحا آخر ـ يقول أن هذه منطقته .. ربما نتبادل السب ، يحتدم الجدل ، فنشتبك بالأيدى . يضحك علينا سكان البيوت ، ولا ينزل أحد كى يشترى . تتورم قدمى ويجف الحلق .
ونجلاء تنحنى كل سنة ـ على ماكينة الخياطة ـ أكثر .
عشر سنوات ونعافر .
قرأت الفاتحة لسيدى " على النجار " تتمايل أعواد الفول والشمس تختال بسطوعها على الغيطان ، ينزل أبو قردان يغرس منقاره الطويل فى طين الأرض باحثا . ويصعد .
ترتاح روحى إذ أقترب من طحلة بردين . أحبها وأمقتها معا . أحب شوارعها .. بيوت الطين .. يتجلى من فوق أسطحها قش الأرز . أما صوامع الطين الواقفة فى شموخ فهى مملوءة بالحبوب . أنا رأيت تلك الصوامع فى بيتنا سرعان ما تنقص ويسأل أبى زنوبه عن السر فتقول " العيال كبرت وبتاكل " .. أحب الجرن ولعب الاستغماية ، نجرى بين حوارى طحلة ، نختبئ فى الأزقة المظلمة ولا نخاف ننادى على بعضنا حين نحس بالتعب . نتجمع عند " الأمة " فى الجرن . ونختتم ليلتنا تحت شجرة الصفصاف نتبادل الحكايات والمواقف المضحكة ، نتبارى فى إظهار بطولاتنا الوهمية مع الكبار ؛ أحس دفئا حين أدخلها . ولا أعرف لماذا يغتم القلب قى لحظات . حزن كدبيب النمل يتسرب إلى النفس . هذا الولد الذى كنته منذ عشرين عاما يطرده أبوه . يغلق دونه الأبواب .
أفترش حصير المسجد ، أو الخلاء أمام بيت عمتى . بزحف البرد إلى عظامى ـ ليلا ـ فأتكور .. أحتمى بالجوالات المهملة .. يتشممنى كلب عابر ، حين تكون زنوبه قد أوسعت ساقيها ، فيأتيها أبى ، يمضغ الطعام والدفء . حتى " عرفه " العاقل الذى تعيرنى بصلاحه ، ويزرع معك الأرض طردته أيضا . من أجل زنوبه .. لا .. هى زنوبه من تطرد أو تعفو .
كيف جعلتك هكذا يا أبى ؟!!
ثانى يوم
قال الحاج أحمد زوج عمتى : عمك صبحى سابلك الفلوس دى .
وعليك أن تدفع أنت وأخوك ما يخصكما لهدم المقبرتين، ورفع البناء.
وضعت الفلوس ـ بلا اهتمام ـ فى جيب الصديرى .
طبق الجبن القريش والقشدة على طبلية قصيرة الأرجل أمامه . قال : أفطر .. قعدت . حشوت بطنى الخاوى منذ ظهر أمس . شربت الشاى .. جاءت عمتى . كانت فوق سطح الدار تقشر أغلفة الذرة .
بادرتنى : مال صوتك واطى .. معرفش إنك هنا .
ابتسمت .
تابعتنى بنظراتها من أن لآخر .
قالت : مسهّم ليه يا ولا ؟
رد الحاج : سبيه يا أم السيد .
وضعت قدمى فى الشبشب وانطلقت إلى الدار كى ألحق بإبراهيم قبل ذهابه إلى المزرعة التى يشتغل فيها . بالأمس لم أتحدث معه ، باركت له على المولود . أعطيت زوجته النقوط . كانت ليلة طويلة ما لها آخر . سمعت فى الليل دقا على بابى . كان محمد عائدا متأخرا . ربما دارت دماغه ، فأخطأ باب زوجته . حاولت النوم فما جاءنى غير وجوه الراحلين . أتقلب على الفراش إثر تسرب البراغيث إلى جسدى مرحبة بحضورى . كان الولد الشقى يطلع منى زاحفا مشكشكا الذاكرة .. أتحسس الشباك الحديدى للسرير . أذكر بهيه أختى ، طلبت منها السرير لكى أنام عليه ، وأحتجز به أودتى ـ ميراثى ـ فى دار أبى . وأضع القفل على بابها .
زنوبه تستحوذ على الدار . وأرض أبنائها . وتبيع للناس ـ وللفلوس ـ حتى آخر قيراط .
إبراهيم يكلم الولد النائم فى أقماطه كما لو كان رجلا . يزعق فيه آمرا بالسكوت . قلت تعالى معى اليوم نهد المقبرتين . قال : والمزرعة . قلت : ساعتين يا أخى . وافق متضررا .
الريح تصفر وإبراهيم يحمل الفأس ومقطفىْ الجلد . ينظر حواليه . قامات الكافور تتمايل وسط المدافن . تراب ناعم يهبط بأقدامنا . السكون يبعث على الوحشة . قرأت الفاتحة ، إبراهيم يصفر . نبهته أن يقرأ ، فردد الفاتحة بصوت عال . هل عقل إبراهيم أبيض ؟!!
قد قارب العشرين، لا يستحق الأربع قراريط التى باعتهن – من نصيبه - لزواجه.
وقفت أمام مقبرة أمى .. أردد قصار الصور . أذكر قوالب الطوب والسيدة واختفائها. ولم يرتعش القلب . أتحسس بيدى محارة المقبرة ، فتنهار .. هنا قعدت بهيه تنادى على أمه
المزيد